قصة الأستاذ والطالب و القلم الأحمر ..

قصة قصيرة من فصل واحد

دخل الطلاب قاعة الإمتحان وأخذ كل مكانه الخاص بهدوء ووزعت الأوراق ..
تقدم الأستاذ مراقب الإمتحان ونظر بتأني للطلاب وقال : حظا موفقا لكم جميعا .. تذكرو الكتابة بالقلم الأسود أو الأزرق

بدأ الطلاب ملئ أوراقهم بما جادت به عليهم ذاكرتهم وقبل إنتهاء الوقت المخصص وأثناء تجوال الأستاذ المراقب بين الطلاب لاحظ طالبا يكتب بالقلم الأحمر ..!
تقدم منه وأمسك بالورقة .. وقال له .. لماذا تكتب بالقلم الأحمر ..؟
ألم أقل لكم أنه يمنع الكتابة بلون غير الأسود أو الأزرق .؟

تردد وأصابه الإرتباك ولكنه ما لبث أن استعاد رباطة جأشه وسقطت علامات الخوف من عينيه ونظر إلى الأستاذ بكل ثبات وثقة وقال : أنا لم أكتب بالقلم الأحمر يا أستاذ .. أنا ليس عندي قلم أحمر

جمد الأستاذ للحظة وهو يحاول إستيعاب ما قال الطالب بينما الطالب تبدو عليه علامات الإنتصار والزهو .. رفع الورقة أمام عيني الطالب وقال : ما هو هذا اللون الذي على الورقة ..؟

فرد الطالب : لم أفهم عليك .. ما علاقة لون الورقة في نوع القلم المستخدم .. هلا وضحت رجائا .. كلامك كله مغالطات منطقية وعقلية

مد المراقب يده إلى الطاولة وتناول قلم الطالب الأحمر ورفعه أمام عينيه وقال ..: ما هذا ..؟

رد الطالب .. هذه يدك .. هل أحصل على علامات إضافية لمعرفتي الجواب الصحيح .؟

غضب الأستاذ من الطالب فأمسك بالقلم وحشره في أنف الطالب وهو يقول : ما هذا الشيئ الذي في أنفك الآن .. أليس هذا قلمك الأحمر الذي كتبت به على ورقة الإختبار ..؟

تتأتأ الطالب وهو يعصر دمعة من طرف عينه من الألم محاولا الثبات على إنكاره الغبي لاستخدامه القلم الأحمر قائلا : لا يوجد شيئ في أنفي يا أستاذ .. أنا لا أمتلك قلما أحمر ..

رجع الأستاذ خطوتين إلى الوراء ونظر إلى الطالب بهدوء .. وما أن أدار ظهره حتى إبتسم الطالب إبتسامة رضى لاانتصاره على الأستاذ المراقب في محاججة علمية فلسفية أثبت فيها أنه على صواب ..سحب القلم الأحمر من أنفه وتابع الإختبار ..

رن الجرص معلنا نهاية الإمتحان وتقدم الطلاب واحدا تلو الآخر وقدمو ورقة الإمتحان للأستاذ
وما أن جاء دور الطالب الفهيم لتسليم ورقته تقدم في زهو إلى كومة الأوراق على المكتب الذي يجلس عليه الأستاذ إبتسم ورمى الورقة على رأس أوراق الإمتحان وهم بالخروج حتى أمسكها الأستاذ ومزقها إلى أجزاء أمام عيني الطالب .. ذهل الطالب من ظلم الأستاذ وتعديه المجحف على حق من حقوقه وخرج وهو يتوعد ويهدد .. طبعا لم يستمع إليه أحد ..

و منذ ذالك اليوم والطالب الفهيم يحكي قصة الأستاذ الشرير الذي يحقد عليه لأن الطالب كان أذكى من الأستاذ وأكثر حكمة وأرجح حجة .. وكيف أن العالم كله تآمر مع الأستاذ عليه لأنه على حق .

سلام

موت ملحد ..

الفصل الأول
رياح جافة وباردة .. سماء بلا ملامح [ البيت القديم ]

علامات السهر والجدية بادية على وجوه أبناء وبنات أحمد إبن عبد الله المستلقي بين الشراشف والأغطية البيضاء الباردة وتجاعيد السنين تنحت على تضاريس وجهه تاريخ كفاحه مع الحياة وعلى خلاف أبنائه لم يكن يشعر بحسرة أو ندم فقد عاش حياته كما يحب ويتمنى وترك من بعده ثقافة وتربية صالحة يحملها أبناؤه معهم إلى المستقبل
كان كل حزنه في تلك اللحظات أنه لم يفلح في الدخول لقلب إبنته ياسمين التي لم تزره منذ أن تزوجت وهجرت عملها ودراستها .. لم تزل كلماتها في آخر لقاء لهما عالقة بقلبه كالخنجر
( أنت إنسان ملحد تكره الله .. مصيرك إلى جهنم وأنا لا أريد أن أحاسب على قرابتنا .. أنا أتبرأ منك )
لم يعرف أين أخطأ في تربيتها أو ربما لأنه لم يغمرها بحبه كما يجب ..
أم تراه حبها لزوجها الذي غيرها وجعلها تبتعد عن عملها ودراستها وتضع الحجاب ومن ثم النقاب
لكن لا بأس .. طالما هي سعيدة بحياتها فهو سعيد وراض ٍ
أطلق تنهيدة متعبة وصدى كلماتها ما يزال يتردد في عمق ذاته ( أنا أتبرأ منك ..)
لم يعد هناك متسع للندم - قالها لنفسه- لقد فعلت كل ما أستطيع فعله وعلى أكمل وجه ممكن في حينه ولن أنتظر طويلا حتى يحل ذالك الزائر الثقيل الدم ضيفا علينا في هذا البيت .. لا مفر منه بالنهاية والذي بت مع كل دوي سعال يعصف بصدري أو كل ألم صاعق يترافق مع تقلبي وحركتي أتمنى اقتراب زيارت الموت ليخلصني من عذابات هذا الجسد المنهك الهرم ..

----------------------------------------

بالرغم من كل شيئ كان يحبهم .. [ فلاش باك ]

نشأ أحمد ابن عبد الله في عائلة محافظة متدينة ولكنه لم يكن كأقرانه بل كان دائم البحث والتشكيك دؤوبا بالبحث عن الحقيقة وبعد سنوات طويلة من القرائة والدراسة والتفكير المضني توصل أحمد إلى أنه لا مفر من إتخاذ قراره المؤلم لكنه بنفس الوقت مريح بأن يعترف لنقسه أولا أنه إنسان ملحد لا يعتقد بوجود الآلهة والأرواح والجن والعالم الميتافيزيقي إلى أن تظهر أدلة ملموسة تحولها من غيبيات وخزعبلات إلى يقينيات مادية
وكانت المشكلة الأكبر هي في أنه أعتاد على مصارحة أهله بكل شيئ وأن يكون صادقا معهم مما دفعه في يوم من الأيام إلى الإعتراف لعائلته بموقفه بالنسبة للأديان والآلهة وكم كانت الصدمة كبيرة على عائلته وهو يعلن لهم إلحاده
والتي بدأت ردات فعلها بطرده من البيت أثناء إمتحاناته الجامعية مرورا بعدم إستقباله في المناسبات العائلية وطرده من الحي وخسارته لإحدى الوظائف الجيدة إلى آخر اللحظات في حياة والديه الغير راضين عنه الذين بقي يبرهما ويعتني بهما أثناء مرضهم وحتى وفاتهم حين هجرهم إخوته إلى بلدان أخرى وحياة جديدة ..
إخوته تبرأوا منه على الرغم من محاولاتهم بين الحين والآخر التراسل معه وإرسال الكتب الدينية والدعوات لأداء فريضة العمرة بل وحتى اللجوء للوعد والوعيد حيث أنه تعرض للتهديد بالقتل من أخيه خالد الصغير إذا لم يعد عن الطريق الذي إختاره ..
أخوه خالد الذي لطالما أحبه وكان يلاعبه وهو صغير ويساعده على كتابة وظائفه ويوصله إلى المدرسة ..
تلك الذكريات الجميلة التي لم تصمد طويلا قبل تحطمها على مشهد خالد وهو واقف يصرخ بغضب من فوق لحية شعثاء وثوب قصير هازا ً إصبعه بوجه أخيه مهددا إياه بالقتل في إحدى الإجتماعات العائلية
رغم كل شيئ بقي أحمد يحب عائلته ..
لم تثنه هذه الأفعال يوما عن حبه لهم إذ أنه عرف أنهم لا يحتكمون إلى قلوبهم أو عقولهم بل إلى ما يمليه عليهم المعتقد والكتاب والشيخ والذين ليس لهم سلطة أو معرفة أو حتى إكتراث بعلاقة عائلته معه أو علاقته بعائلته ..
وبقي أحمد هكذا على تواصل مع أخبار عائلته بشكل غير مباشر وساعدهم مرارا من وراء الكواليس وأمن تعليما جيدا ووظائف ملائمة لأبنائهم وبناتهم الائي يعاملونه كعم محب ولكن يتجنبون معرفة أهلهم بأنهم يقابلوه أو يعرفون بوجوده

----------------------------------------

دقت الساعة معلنة منتصف الليل [ الوصية ]

تنهد أحمد وهو ينظر من حوله إلى أبنائه وبناته ..
كم كان ذالك المنظر جميلا بالنسبة له .. حتى دموعهم كانت تعني له الكثير
حرك شفتيه المتشققتين وقال بصوت متعب متقطع : شـ .. شكرا ً لكم ..
لقد ملأتم حياتي بالسعادة و الأمل وكنتم هدفي ومبتغاي فيها ..
ليس لي بعد أن رأيتكم قد كبرتم وشق كل منكم طريقا واضحا في حياته إلا أن أودعكم وأن أترك الفرصة والمكان لغيري في هذا العالم ..
فقد أخذت نصيبي وأكثر وأنا راض ٍ وسعيد
وصيتي لكم أن تحبوا بعضكم وتحبوا الآخرين
ولا تبكوا علي .. بل أبقوني ذكرى سعيدة في ضمائركم ..
قالها ثم أغمض عينيه عن إبتسامة رضى وسلام نادر مع النفس لم تكدره غصات ودموع أبنائه وبناته من حوله والذين حاولوا جاهدين إخفائها احتراما له ولشجاعته في آخر لحظاته
أغمض عينيه لينام وكانت هذه الكلمات آخر ما قاله ..
توفي أحمد إبن عبد الله أثناء نومه عن عمر يناهز الخامسة والثمانين في الساعة الرابعة صباحا من ذالك اليوم

------------------------------------

الفصل الثاني
إنهيار جسد [ شلل ]

قرابة الرابعة صباحة إستعاد أحمد إبن عبد الله وعيه واستيقظ من نومه ..
فتح عيني عقله - إدراكه ووعيه بكلمات أخرى - وحاول جاهدا لكن لم يستطع فتح عينيه فبدأ التفكير في باقي حواسه المهترئة عله يستطيع إستشعار ما حوله من وجود ..
هواء بارد برائحة الكتب والملاحف القديمة وورق جدران يخفي سنين من الفطريات الخفية خلفه
طعم كبرادة الحديد اللزج في فمه ..
سيئ ومزعج ولكنه إعتاد عليه فأصابعه أصابها الخدر وما عادت قادرة على الوصول لكوب الماء بجانب سريره ..
عطش وإحساس بعدم الجوع على الرغم من أنه لم يأكل شيئ من أيام .. ربما نسيت أحشائه كيف تطلب الطعام
جلد بالكاد يشعر لطول مدة إستخدامه كأنه أسلاك كهربائية محترقة في الجدران لا يمكن إزالتها أو إستبالها لا تقوم بإيصال إلا شرارات ألم من وقت إلى آخر و جسد ينسحق تحت وزنه ووزن الشراشف الرقيقة من فوقه كأنه قطعة عجين لم تخبز بالطريقة الصحيحة
حتى أنه بدأ يشعر بثقل شعر صدره يحطم أضلاعه ..
أذنان بالكاد تسمع أزيز رئتين أنهكهما اللهاث كأنها صرير باب قديم تحركه الرياح في بيت مهجور جيئتا وذهابا .. شهيقا وزفيرا
تكات ساعة الحائط ولسبب لم يستطع فهمه باتت عالية صاخبة بل ومزعجة مع كل تكة يشعر بقشعريرة تمتد كموجة من رأسه حتى أخمص قدميه .. كل تكة كأنها طبق بورسلان صيني غالي الثمن يصقط من الرف وينكسر إلى آلاف القطع .. مزعجة وغير محتملة ..
بدأ أحمد إبن عبد الله بعد أن أعيته محاولاته الفاشلة في تحريك يديه ورجليه أو حتى فتح عينيه يشغل نفسه عن ضجيج ساعة الحائط القديمة حيث بدأ يقول لنفسه

- : تلك الساعة القديمة عليها اللعنة لا أعرف لماذا إشتريتها في المقام الأول .. كان علي وضعها خارج الغرفة .. في لصالة ربما جانب رفوف الكتب القديمة ..آه تذكرت .. تلك الساعة كانت إرثا من أبي .. أنا لم أشتريها بل أحضرتها في صندوق كرتون إل هنا مع الكتب .. آه يا ترى لو كان أبي حيا .. هل كان سيفخر بي وبما أنجزته في حياتي
لقد أخرجت للدنيا أولادا أفخر بأن يحملو أسمي .. هل كان ابي ليقول نفس الشيئ يا ترى ..؟!

-----------------------------------

الغرغول .. [ كابوس]



لم يفكر أحمد ولو للحظة أثناء حواره الذاتي داخل جمجمته بأن أباه ينتظره أو أنه يراه من مكان ما .. لم تكن لديه أي أوهام بأنه سيستمر بالوجود بعد الموت .. لم تخطر تلك الفكرة على باله أو أي فكرة ما ورائية أو روحية أو خارقة للطبيعة ..
كانت بالنسبة له مجرد قصص أطفال ومكانها كتب الأطفال فقط

ولكن لوهلة شعر بوجود شيئ ما .. لأول مرة شعر بشيئ مختلف .. شعور بشيئ لا ينتمي لهذا العالم ..
شخص ما وكأنه يقف على السرير فوق رأسه ينظر إليه باسما ما لبث أن أصبح عند قدميه على حافة السرير ..
كان شعورا غريبا وكأن هذا الشيئ ينظر إليه و ينتظره ..
يريد الإنقضاض عليه أو فعل شيئ ما .. لم يفهم أحمد ذالك الشعور الذي بدأ يسيطر رويدا رويدا عليه ..
حاول فتح عينيه مجددا لكي ينظر ويرى ويتأكد أنه لا يوجد عفريت أو رجل أو عين تراقبه في عتمة الغرفة وأنها كلها أضغاث أحلام , ولكن جفونه خانته مجددا تاركتا إياه في ظلام و حيرة وقلق لا يسمحان له بالإستقرار .. حاول رفع يديه والركل بقدميه ولكنه كان بلا حول ولا قوة وكانت الشراشف الرقيقة بوزن الجبال
بدأ هذا القلق والألم بالتزايد بشكل متطرد و سريع تماما كما تبدأ الكوابيس بالسيطرة علينا فلا نستطيع الإستيقاظ أو الرجوع لحالة الحلم الهادء .. تدفق الأدرينالين في الدم جعل فكرة ذالك الشيئ الذي يجثو على حافة السرير تتحول إلى فكرة أنه بدأ بالحركة وأنه يقترب بعينين تراقب أحمد العجوز الممدد .. تقترب وكأنها غروغويل أسود كالظل بدون تفاصيل .. ربما منقار وما يشبه أجنحة الوطواط ولكن لا شيئ واضح في تلك الصورة إلا عينين ثاقبتين كأعين القطط .. ترقباه بعطش وجوع المفترسات ..
بدأ قلب أحمد إبن عبد الله بالخفقان بشدة وتنفسه صار أشبه بقرقعة الحجارة منه إلى أزيز وصرير ..
وذاك الشيئ يقترب ببطئ منه .. هو لا يراه ولكنه يشعر به .. يدرك وجوده .. وشعر بحركة الهواء التي يحركها ظله الأسود
وخلال جزء من الثانية تمكن من العودة إلى رشده في هذه المعمعة

- : هذا وهم .. عقلي يلعب علي خدعة ما .. هذا الكابوس جلي جدا وفي غير وقته أبدا .. أنا عجوز جسدي لن يحتمل هكذا نكسات .. لماذا يأتيني كابوس الآن .. .؟!

قليلا و ذالك الشيئ أصبح فوق جسد أحمد مباشرة وكأنه يجلس على صدره وأحس أحمد بأضلاعه كأنها تتكسر ..
رفع ذالك الشيئ يده إلى أحمد ببطء و فتح فمه وأحس أحمد بأنفاسه الباردة ترتطم بحبيبات العرق على جبهته مما جعله يصل إلى ذروة الكابوس والإستيقاظ فاتحا عينيه وهو يشهق شهقة طويلة ..
وعلى قدر ما كان أحمد مرتعدا متزلزلا من الداخل وهو مغمض العينين كان جسده هادئ تماما في غرفة مظلمة فارغة عندما فتحهما ..

------------------------------------

بين الساعة الرابعة والساعة الرابعة [خارج الزمن]

لحظة .. و لحظتين ..
حرك عينيه حول الغرفة ..
كانت الغرفة هي نفسها تلك الغرفة القديمة الباردة .. ليس بها أحد غير أحمد .. لا غيلان .. ولا أشباح .. ولا غورغولات مجنحة ..
قال في نفسه : من أين أتت فكرة هذا الوحش وهذا الكابوس بدون مقدمات ..
لا بد أن عقلي الباطن يعاني حقا من تقدمي بالسن أو أن أحشائي لا ترضى أن تتركني دون معركة أخيرة
ولكن .. ما هذا الشعور .. هناك شيئ جديد .. مختلف في الغرفة .. هناك شعور عميق بأن هناك شيئ ما ناقص ..

انتبه أحمد إلى وجود صوت بعيد بدأ بالعلو أشبه بصوت قرع طبل كبير .. وكأنه صدىً ما قادم من مكان بعيد ..
لا .. بل هو صوت قادم من داخله .. بكووم .. بكووم .. بكووم ..
كلما كان الصوت يعلو كلما ازدادت حيرة أحمد حتى لاحظ أنها تشبه نبضات القلب و أدرك عندها أن قلبه توقف عن الخفقان..
- : ولكن ما هو ذالك الصوت ؟ قال لنفسه ..
إنه صدى غياب دقات قلبه .. فراغ في ساحة الإدراك إعتاد القلب على ملئه بالنبض وهو الآن تجويف صوتي فارغ يصعب على العقل إدراكه وفهمه
ركز مجددا لعله يسمع نبضاته ولكن عبثا .. قلبه لا ينبض ..
تأكد من أنفاسه فوجد أنها خامدة صامتة لا صوت أزيز ولا حشرجة حنجرة قديمة ..
حاول تحريك عينيه جيئة وذهابا فهي آخر ما يستطيع تحريكه .. نظر حوله وانتبه للساعة ..
توقفت حركة عقاربها .. توقف الزمن عند الساعة الرابعة صباحا تماما .. لا مزيد من التكات المزعجة .. ولا حتى صوت ..
حتى ذرات الغبار الظاهرة في شريط الضوء الهارب من الستارة باتت كأنها فقاعات هواء قديم في الكهرمان
كل شيئ تجمد في الغرفة إلا وعيه بهذه اللحظة المرعبة .. لحظة واحدة وكأنها استمرت إلى الأبد
وتوقفت عيناه عن الحركة وهما ترمقان عقارب الساعة وتوقفتا عن الإرتجاف وخبى ذالك النور فيهما ..

--------------------------------------

موت [ ديــــــنـــغ … ! ]

أول دقة من دقات الساعة القديمة المعلقة على الحائط شقت صمت اللحظة كأنها الرعد وأيقظت الغبار النائم على عقاربها و كأنها ركلته في الهواء ..
بدأ شعور أحمد بالخوف يتلاشى رويدا رويدا حيث أنه أدرك أنها ليست إلا إجرائات تسجيل الخروج من الحياة وكأنك تدفع حسابك في فندق وترحل مع إبتسامة صفراء لحمال الشنط
ولكنه لم يستطع إلا التفكير في موته وأنه يريد البقاء .. الشعور .. الإدراك
غمرته الرغبة في الحياة كرد فعل غريزي أخير لهذا الجسد .. صيحة أخيرة يفرضها كضريبة ندفعها من إبائنا وشموخنا لأنه جسد من لحم ودم فيستمتع بتمريغ أنوفنا بعار في آخر لحظة من حياتنا حيث نتوسل بها بكل شفقة ووضاعة بضع لحظات إضافية من الحياة .. ولكن ليس هناك من مستمع و بالتأكيد ليس هناك من مجيب أو أمل في البقاء ..

ديـــــــــــنــــــــــــغ ..!

الرنة الثانية لساعة الحائط وبدأ البندول حركته البطيئة صعودا مجددا وكأن الزمن بدأ بالحركة بعد توقف كسول فنزولا بكل بطء وعيني أحمد الجافة ما تزال ترمق الساعة
قليلا وبدأت الألوان تختفي بداية باللون الأحمر محولة كل شيئ إلى لون أخضر مريض شاحب كأوراق الغار المجففة ومن ثم إختفى اللون الأصفر من ساحة الرؤيا محولة كل شيئ في عتمة الغرفة إلى الكحلي الشاحب
وبدت تتوضح له النقطة العمياء في عينيه تحت الساعة مباشرتا فلقد ثبتت عيناه وتوقفت عضلاتها عن أي حركة تمحو أثرها في الوعي
تحولت إلى بقع سوداء تزداد إتساعا كاحتراق صورة فوتوغرافية قديمة من وسطها إلى أطرافها
وأخيرا بدأ كل ما هو حوله وخصوصا الساعة على الجدار المعتم بالتلاشي والغياب في رمادية غريبة وكأنها لوحة سيئة بقلم الرصاص على ورق محروق

زفــــــــيـــــــــــر … !

أخرج ما في صدره من هواء ببطء وهدوء ولم يكن صوته عاليا بل كان كأنه فحيح طويل وثقيل وكان هذه المرة خاليا من أي حشرجة أو أزيز ..
حينها ضرب إدراك سمعه رنين عال مزعج كأنه صفير قطار .. بدأت حواسه تموت واحدة تلو الأخرى وقد حانت لحظة حاسة السمع
بدأت الغرفة تدور به وتميل وتميد وبدأت الجدران تتلوى وتتمطى وغاص أحمد في سريره وشعر أنه يسقط في هاوية على الرغم من شعوره أيضا بأنه ثابت لا يتحرك
اختفى الصفير ومعه تلاشت ببطء أغاني الطفولة وألحان الشباب والأغاني التي عشقها في حياته ورددها باستمرار .. حاول تذكرها ولكن رويدا رويدا إختفت الأغاني فالجمل الموسيقية ثم اختفت هوية الآلات فما عاد يميز بين صوت الغيتار والعود والبيانو وبعد لحظات حتى هذه اختفت ومن بعدها تساقطت النغمات من الوعي والذاكرة وتلاشى أي إدراك لاي صوت أكان صوت سيارة أم صوت أمه تناديه .. لم يعد يميز بينها .. حاول تذكر أي شيئ .. لم يفلح ..

أرعبه ذالك ولكنه لم يستطع حتى إختبار الشعور بالخوف .. لم يعد الأدرينالين يتحرك في مجرى الدم
إختفت الصورة الرمادية من عينيه تدريجيا مع موت الخلايا الشبكية وصار أحمد في لحظاته الأخيرة قابعا في ظلام حالك
لم يستطع سماع بقية دقات الساعة على الرغم من أنها كانت هناك عالية مزعجة يتردد صداها في الغرفة الباردة الفارغة
لم يسمعها .. ولن يسمعها بعد الآن ..

---------------------------------------

الأنا [ تلاشي و تفكك ]

يتطلب موت الدماغ بالكامل ثلاث دقائق من إنقطاع الأكسجين عنه ..
ولكن ما حدث لأحمد كان كأنه سنوات من الصداع والألم غطاها شعوره بأن الشراشف تسحقه تحتها
وأتى دور حاسة اللمس فأحس أحمد بالنار تأكل جلده وكأنه سيجارة سيئة إشتعلت من جانب واحد إبتدائا بأخمص قدميه مرورا بصدره حتى ألهبت جبينه فقد كان الدم في أوردته وشرايينه يتحرك بفهل الجاذبية باتجاه ظهره
في خضم هذه الصداع والألم حيث أن كل عصب في جسده يرفض الموت ويركل ويصرخ مستنجدا
كلها مجرد ثوان حتى بدأ شعور أحمد وإدراكه يتلاشى فاحترقت اللغة والتعابير وتساقطت كحبات المطر أولا حروف العطف والجر الأفعال ومن ثم الصفات تاركتا الأسماء لبرهة قبل أن تختفي بدورها تاركتا آخر موجود في جمجمة أحمد إبن عبد الله وهو الأنا الذي اختفى بموت أجزائه المكونة له جزئا جزئا و حاسة حاسة وذكرى فذكرى وكان آخر ما عبر في ذالك الدماغ الميت المفكك مع آخر إشارة كهربائية وحيدة فيه قبل أن تتلاشى في الفراغ كلمة : أنا..!
وهكذا تحول أحمد من إنسان ذا معنى وقيمة وحب وشعور وألم وذكرى ورأي وذكاء
تحول كل هذا إلى شيئ .. كالكرسي أو السرير أو المنضدة ..
تماما كأي شيئ آخر في هذه الغرفة المظلمة والباردة
وهكذا انتهى كل شيئ ..

يتبع ..
.


.

العملاق النائم


لا تسألني كيف ألازم
جنبا من عملاق نائم
أرقب فيه سلاما يسطع
يشرق بعد ظلام غائم

أوراقا و ورودا بيضا
مثل بياض الزمن القادم
وأناشيد صغار ترقص
تبني حلم محب حالم

مهما عاث بليل ضبع
يتزين بالتاج فواهم
وسنبقى في الجذر صمودا
وسيفنى جيل بعمائم


لا تسألني كيف ؤجار
من شعب دنياه شجار
فسيشرق في الصبح بجيل
مختلفا حرا يختار

حبا وسلاما ومعاول
قانونا للعدل مزاول
لا غيبا وعويل مآذن
لا قتلا وجهاد دمار


لا تسألني كيف ألازم
جنبا من عملاق نائم
أرقب فيه سلاما يسطع
يشرق بعد ظلام غائم

وسنبقى وسيبقى كطفل
وسيصحو العملاق النائم
وينادي في الأرض سلاما
إلحادا لربيع دائم
.
مهداة لمنتدى الملحدين العرب ..
.

من قصص وادي الرملة


قد كنا منذ جدنا الأول أسياد الكرامة والشرف والأخلاق
وكانت عائلتنا أولى من سكن وادي الرملة فأدخلو التسامح والأخلاق والأمان لهذا المكان البائس

نظر إبن الخمسة عشر ربيعا لجده المتربع في مضافة الدار وأردف متسائلا
ولكنك قلت لي البارحة أن الغجر كانو يسكنون قديما في هذا الوادي وأن عائلتنا هي من عمرت هذا المكان بعد أن خرب الغجر الأرض والزرع ..؟؟

الجد : نعم .. نعم ..أنا أقصد أول البشر .. فهاؤلاء الغجر قذارة نتنة لا أخلاق لها ولا تسامح .. يتاجرون بأعراضهم غشاشون كاذبون ولا يمكن إعتبارهم بشرا
لذا كان من حكمة جد العائلة أن قضى عليهم وأزال أثرهم من وادي الرملة وغسل ترابه بدمائهم وقد تطلب تنظيف هذا البيت زمنا للتخلص من رجسهم ...

بدت على وجه الشاب بعض علامات الإمتعاض وأردف قائلا ..:
إذن هذه الدار بناها الغجر .. ألم تقل لي أنهم بلا حضارة كالبهائم يعيشون في العراء ..؟؟

الجد : لا .. لا ... هم كانو يعيشون في عراء أخلاقي .. وتخلف في الكرامة ..
وهذه الدار لم يستحقها يوما من بناها حتى أتت العدالة على يد جدك فحررها منه وخلصها من أثمه وبارك جدرانها عندما سكنها

رد الشاب متعجبا هذه المرة : لكن الغجر هم من بنوها .. فكيف لا يستحقون العيش بها وأين العدل في الموضوع ..

قطب العجوز حاجبيه وقاطع الغلام غاضبا :
صه .. أتتطاول على جدك الأكبر .. إنك لم ولن تصل إلى ربع حكمته حتى لو عشت مئة سنة
حتى لو كان الغجر هم من بنو الدار فهذا لا يعني أنهم يستحقون أن يسكنوها
إن دارا بهذه السعة والجمال وجب من منطلق العدل والحق أن يسكنها قوم من جمالها ورونقها ..
جدك عرف ذالك بحكمته وطبق العدالة بأن أخذ الدار من الغجر القبيحين وسكنها هو .. صاحب السمحة والعدل والكرامة ... ألم تسمع قصة جدك مع الرجل الفقير وكيف أطعمه وسقاه وألبسه ..

الشاب .: نعم .. نعم

صمت الغلام فهو لا يستطيع مجارات جده في نقاش فقد اعتادت العائلة على الجلوس في مضافة الدار وسماع قصصه ورواياته عن جد العائلة الأكبر الذي لم يعرفه أحد من العائلة حتى جدي ومع ذالك تراه متربعا في صدر المضافة يتكلم بكل ثقة وكأنه كان معلقا على خاصرة جد العائلة وكلما أعاد إحدى النوادر زادت الأحداث قليلا أو كبر السيف شبرا وكان على الشاب المسكين الأستماع إلى جده على مضض فقد تعلمو منذ الصغر إحترام كبار السن وتصديق كل ما يقولون ..

وبينما كان العجوز منهمكا في استرجاع أحداث قصة من الذاكرة إذ بإبنته تدخل ساحة الدار وتخاطبه في أمر ما ..
فوجد الشاب هذه فرصة له للخلاص فانسل من أمامهما وانطلق من باب البيت كالعصفور باتجاه الحقل على الطرف البعيد من وادي الرملة

إقترب من الشجرة الكبيرة لاهثا وانحنا يلتقط أنفاسه مستندا إلى الجذع

- : لقد تأخرت اليوم أيضا ..

رفع الشاب عينيه ببطء ليشاهد حذائا ناعما أسود اللون ذو زخرفات .. فنقوش ثوب أحمر طويل ووشاح خمري اللون ينسدل على كتفي صبية في ربيعها الخامس عشر تربط شعرعا الطويل الكستنائي بشريط أسود

الشاب : لا أريد أن أحكي لك عن جدي فقد أخبرتك عنه وعن حكاياته سابقا ..

الفتاة : وهل مازال يحكي لك عن الغجر الأشرار السيئين الذين يأكلون الأطفال . .؟

الشاب .: نعم كالعادة على الرغم من أنه لا يعرفهم ولم يقابل أحدا منهم طوال حياته ..

الفتاة : هذا ظلم أن تنعت قبيلتي بالغجر من رجل يعيش منعزلا عن العالم وقام جده باغتصاب الأرض من أحد أبنائنا .. نحن تجار وفلاحون مسالمون ولسنا غجرا

الشاب : لماذا تقولين هذا الكلام لي فأنا أعرف من تكونين ومن يكون أهلك ..

الفتاة : ولكن جدك ..؟؟

الشاب : من واجبي عليه أن أحترمه حتى لو كان مخطئا .. ولكن المستقبل سيكون خال من الكذب والتضليل والعزلة

نظرت الفتاة بدلال إلى الشاب وقالت : المستقبل .؟؟ .. وهل تراني في هذا المستقبل ..

أمسك الشاب يدها ونظر في عينيها وقال : عزيزتي أنت المستقبل كله ..


البداية

----------------------------------------------------------
- عجيب كيف ترتكب أبشع الجرائم باسم أنبل وأجمل الأهداف -

(الغراب الحكيم)


الخطيئة المباركة ..


في ياناير من عام 2068 م هزت العالم أحداث إرهابية إسلامية تجلت بتدمير البنى التحتية في الولايات المتحدة الأمريكية و أوروبا وحلفائهم في العالم العربي بتفجيرات متعددة مستخدمة أسلحة جرثومية و نووية قضت على أغلبية ساحقة من الأبرياء مشعلة بذالك سلسلة من الأزمات العالمية أدت إلى إنقسام العالم إلى دويلات بأنظمة إسلامية تمول بالكامل من أموال النفط النادر ومافيات المخدرات والرق الجديد .
و إلى دول شيوعية منقسمة على نفسها في الشرق الأقصى والأوسط ممن آلت على نفسها وبعد الضغوط السياسية والإقتصادية وخوفها من أن تكون هي التالية أن تتحالف مع العملاق الإسلامي موقعة لوثيقة تسليم الدستور واعتماد الشريعة الإسلامية بدلا عنه

وفي أقل من عام إشتعلت أحداث الجمعة الحمراء في أواخر أغسطس 2068 م حيث ذبح الملايين من المسيحيين والبوذيين و الشيوعيين في الشوارع وتراكمت جثثهم في كل مكان

في أكتوبر من عام 2076 م وفي أقل من عشر سنوات حيث إنتشر خلالها المرض والفقر وعودة العبودية في أرجاء العالم بينمى كان الأثرياء من أمراء وسلاطين أقاليم وحاشيتهم وجواريهم يتمتعون بحياة رغيدة وخدمات طبية عالية المستوى قامت السلطنة العربية السعودية بزعامة ( الخليفة محمد بن عبد الله السديس ) الملقب (بسيف الله) بشن حرب مدمرة على ولاية آل البيت في إيران التي إقتسمت معها أواسط وشرق آسيا وخيراتها
كانت النتيجة مدمرة لكليهما تاركة الشرق الاوسط خاليا ً من الحياة الطبيعية غير المشوهة ومدمرة بتلك الحرب معظم الأماكن المقدسة في الإقليمين بعد إستعمال أسلحة نووية متطورة من الطرفين تركت العالم كله ملوثا بالإشعاع النووي

كانت تلك هي الفرصة الوحيدة المواتية أمام الأقليات المعارضة المشتتة في القارة الأمريكية الشمالية والجنوبية وآسيا الوسطى وأواسط أفريقيا للتواصل والترابط وتنظيم أنفسهم من خلال موجات مشفرة في شبكة التواصل العالمية حيث بدأت هجرة سرية من جميع أنحاء العالم إلى أقاليم غير متضررة كثيرا ً بالتلوث النووي في شرق أوروبا لإنشاء أول حكومة سرية بدأت مع مجموعة نخبوية مختلطة الأعراق تحمل الفكر الإلحادي لتبدأ بإنشاء أول دستور في قرية جبلية نائية لم يغمرها ارتفاع مستوى البحر بعد أن ذاب القطبين بسبب الإحتباس الحراري

في مساء الحادي عشر من سبتمبر 2079 م وانطلاقا من ذكرى أولى العمليات الإرهابية من أصل ديني تم الإقرار والتوقيع التاريخي على الدستور الدموقراطي للدولة الإنسانية

في الأول من ياناير 2080 م قام الحزب الديمقراطي الإنساني بالثورة في أقليم
( الحجاز الشمالي الجديد ) على ( السلطان عمر بن الرافدين ) الضعيف والصغير بالسن وقامت الثورة بالإستيلاء على جميع المؤسسات بسرعة ونجاح حيث قامت بتعقيم جميع المسلمين والمتدينين في الإقليم بصمت ونقل السلطة إلى
( جمعية المؤسسين ) بتقليد هو الأول من نوعه على العالم بحقن المحكوم بكمية مدروسة من سم السانيد القاتل للخلايا الدماغية تاركة إياه دون ذاكرة أو قدرات عقلية طبيعية . وحيث أن المحكومين لم يعودو قادرين على الإدراك أو العناية بأنفسهم فقد تم إيداعهم في مراكز تأهيلية سرية تعتني بهم إلى حين توافيهم المنية

في ربيع عام 2081 م وبعد إنتشار ونجاح الثورات المشابهة كالنار في الهشيم وقبل إفتطان الخلافة الإسلامية في
( مكة الجديدة ) بالتطورات قام الرأيس المنتخب ( غاندي يوحنى ) بإعلان حرب صامتة إستخدمت بها أسلحة متطورة وفتاكة لا تحتوي على مساوئ التلوث بإبادة أعداد مهولة من المسلمين حول العالم تاركة الأرض ببضعة ملايين من البشر ومنزلة ً الراية الدينية من على كاهل البشرية إلى الأبد ولكن بثمن غال جدا ً

في تصريحه الأخير عند إستقالته وخضوعه للمحاكمة قال ( غاندي يوحنا ) :
" سوف ألعن منكم على ما اقترفت يداي ولكن بسببه سينعم أطفالنا وأحفادنا بمستقبل آمن من خطر الدين ولسوف يذكرونني "

وبهذا طويت صفحة الحروب إلى الأبد وما زال تمثال ( غاندي يوحنا ) مزارا ً في حرم المكتبة المركزية في عاصمة الديموقراطية الإنسانية


كان هذا منذ خمسين سنة وما زال العالم يلملم جراحه بعد توحيد الديموقراطية الإنسانية للدويلات والتجمعات حول العالم و ما زالت الأبحاث جارية لشفاء الأراضي والبشر ممن أتى عليها التلوث النووي , حيث تطورت الخدمات الطبية والهندسية بسرعة خيالية رافعة متوصط عمر الفرد إلى مئة وعشر سنوات , وأدى تطور التكنولوجيا الوراثية إلى إستحداث ثورة زراعية جديدة بنباتات قادرة على الحياة في البيئة الإشعاعية وعلاجها وتغطية حاجات الإنسان من غذاء وأكسجين

بدأنا نسمع عن تجمع الجليد من جديد في القطبين واخضرار السهول في الشرق الأوسط وأواسط آسيا و أفريقيا والأمريكيتين

ولكن ما يميز هذا الفجر الجديد الذي تعيشه الإنسانية هو صرامة القوانين في مجال واحد هو الإيمان
حيث أن كل من يثبت تورطه في الإيمان بأي غيبية أو دين يرسل على الفور إلى مراكز العلاج الإجتماعي لتتم إعادة تثقيفه
و الندرة القليلة التي ترفض التجاوب مع العلاج وتصر على الإيمان تحكم بالتعقيم وحقنها بالسم الدماغي لضمان مستقبل آمن خال من الدين

فتمضي بقية حياتها في جنة مصغرة مبنية في عيادات الخدمة الإجتماعية متمتعة بجميع اللذات التي تعد بها الأديان
ولكن مشلولة دماغيا ً دون عقل وإدراك كامل ..
.

في الجنة

قصة قصيرة من خمس فصول ..


( 1 )

تثآءَب ومد ذراعيه فوق رأسه بقدر ما يستطيع متمطيا ً قبل أن يعيدها فوق كرشه اللذي تسبح عليه ظلال الشجرة الزبرجدية التي يتمدد تحتها.

كان خليل عبد الله قد أمضا في رحاب الجنة ما يزيد عن سبعين ألف سنة قبل أن تصبح موضة عد السنوات قديمة وبالية لينسى منذ ذالك الحين كم من السنوات قد أمضى في هذا النعيم , فبالنهاية يبقى أمامه الأبد ليتمتع بملذات الفردوس ..

ما أن أغمض عينيه ليتنهد حتى فتحها على حورية شقراء بعمر الزهور و جسد كالحليب مالبثت أن استقرت بين قدميه وانشغل فمها بما تحت كرشه .
نظر إليها متململا وما أن هم بفتح فمه حتى انتصب أمامه ميمون كبير خدم و حوريات الجنة و انحنى بوقار ليهمس بأذن خليل : هل هناك أي مشكلة سيد خليل .. هل هذه الحورية لاترقى لذوقك اليوم

خليل : لا .. لقد مللت منها ومن مثيلاتها .. أعطني شيءً جديدا .

ميمون وهو يفتح أجندته السحرية : نعم سيدي .. امم .. لقد قمت بنكح السمراوات , شقراوات , طوال , قصار , سمان , نحاف , أطفال , رجال , حيوانات , وحتى الأشجار يبدو أنك قمت بنكح كل ما هو مباح في الجنة ..

سبعون ألف عام من الشباب والقوة و كم غير متناهي من الأمنيات المستجابة مدة طويلة جدا حتى لسكان الجنة . كان خليل عبد الله قد نسي من السنوات المئة الأولى حياته الدنيوية وكيف كان زاهدا متعبدا متقشفا بمتع الدنيا ليربح الآخرة والجنة وقد فعل وكان من الفائزين ليس كزوجته أمونة التي اتضح أثناء الحشر أنها كانت تخونه باستمرار مع صبي البقال أثناء بيات خليل في الجامع متعبدا ً لأسابيع يحلم بأنهار من الخمر و فتيان من المرمر و مئات بل آلاف من الحور العين مع قضيب ٍ لا ينحني وشهوة ٍ لا تنقطع .

تململ خليل و تأفف : فف.. يعني .. هات ما عندك من جديد ..

ميمون : يمكننا أن نجلب مخلوقا ً فضائيا ً من موديل 1950 .. ذاك اللذي يشبه الأخطبوط لتنكحه ..

خليل : لا .. لقد جربته سابقا ً .

ميمون : الشيء الوحيد المتبقي من المباح نكحه في الجنة هي سيارة فورد فورويل موديل الـ 2006 .

خليل ملوحا ً بيده : لا .. لا أريد ..

ثم لمعت عيني خليل عن فكرة و صدى كلمات ميمون تتردد في عقله
( المباح نكحه في الجنة ) .

خليل بعد برهة : ميمون ..

ميمون : نعم سيدي .

خليل : ما هو الغير مباح نكحه في الجنة في الجنة ..؟

لأول مرة يتفاجأ ميمون من سؤال أحد الصالحين الغانمين : ماذا .. ها ..؟

خليل وقد لمعت في عينيه شهوة اللذة المحرمة : لقد سمعتني , أريد أن أنكح ما هو محرم نكحه في الجنة.. أريد التلذذ بما هو ممنوع ... هات ما عندك .



( 2 )


هات ما عندك ..

قالها خليل لميمون الواقف فاغرا فمه أمام هذا الطلب الغريب
خليل : ماذا تفعل أريد ما هو محرم ..هل تسمعني أم علي تسجيل شكوى رسمية..ما هذه الخدمة في الجنة .

لم يعتد خليل أو أي من سكان الجنة أن يطلب طلبا إلا وكان مستجابا خلال ثواني ولكن ذالك الطلب ترك ميمون مشلولا لبعض الوقت قبل أن يتحرر من ذهوله ويسترجع كياسته و فطنته .

ميمون : عذرك سيد خليل , لايوجد في الجنة قائمة بالمحظورات فكل اللذائذ مباحة .

خليل : لقد خبرت جميع اللذائذ والمتع الموجودة .. أريد شيئ ً جديدا ً .. لقد شبعت من هذا النعيم أريد قائمة بالمحظورات وما هو غير مباح في الجنة .

أخرج ميمون ساعة جيبه الزجاجية وبخفة وسرعة ضغط على زر الحالات الطارئة واللذي لم يستعمل قط
وما أن فعل حتى توقف الزمن في أرض الجنة تماما ليتجمد كل شيء في مكانه . الحوريات المتمايلات فوق أحضان الصالحين , طيور و طواويس الجنة التي كانت ترفرف في الهواء , طرطشات نهر اللبن متجمدة في الفراغ .. كل شيء حتى خليل الذي يلوح غاضبا بإصبعه وقف جامدا ً.

كان هذا إجراء إحترازي في حال وقوع حدث جلل في الجنة حتى لايشعر سكانها بوطئة الأجراءات البطيئة . وما أن تأكد ميمون أن الزمن توقف بالجنة حتى انطلق راكضا ً بل محلقا ً باتجاه المكتب الإداري ليجد الملاك جبريل اللذي كان يدقق بعض الفواتير واقفا ً بالباب يسأل عن سبب هذا التوقف .

ميمون لاهثا ً :عذرك سيدي الملاك جبريل .. لدينا مشكلة .

الملاك جبريل مبتسما ً : ماذا حصل .. هل بدأ أهل الجنة بتكفير بعضهم والأقتتال .

ميمون : لا يا سيدي .. ليس بعد .

جبريل : هل بدأوا بأنشاء مجموعات وحكومات سعيا ً للإنقلاب على النظام السائد .

ميمون : لا يا سيدي ليسو بهذه الإرادة ..فهم أكسل من أن يفكرو بهذا .

جبريل : إذن ماذا هناك يستدعي كل هذا الذعر ..

ميمون : لقد ..لقد بدأوا بالملل من متع الجنة ..

كان الملاك جبريل صامتا ً متفاجئا ً خلف مكتبه العاجي وهو يستمع لشرح ميمون عن طلب الصالح خليل عبد الله وحالته وما أن أنهى ميمون كلامه حتى رفع جبريل يده إلى لحيته وبدأ يمسدها وهويحرك جناحيه و يعقد حاجبيه في صمت ٍ لم يدم طويلا ً .

جبريل : إن لذالك أبعاد كثيرة .. ويمكن أن يتطور الوضع إذا ما ترك دونما حل ..

ميمون : وطبعا يمكن أن يطال القديسين و الأنبياء و حتى الملائكة ..

جبريل عاقدا ً حاجبيه : الملائكة ؟؟

ميمون : صدقني سيدي فخليل هذا لم يوفر حتى خالته ولا أستبعد أن تكون أنت على قائمته إن عرف بأن ذالك مباح .

جبريل يعدل من قامته ويرمق ميمون نظرة تعجب : ماذا ؟ .

ميمون : والأخطر أن يبدأ حتى بالملل منا والتفكير بـِـ ..

ضرب جبريل قبضته على المكتب وقال بلهجة صارمة : اخرس .. هذا كلام غير مقبول .. لا أعرف كيف أن محمدا ً هذا قام بالتشفع لكل هذه الحثالة لتدخل الجنة ونبتلي نحن بها ..

ميمون : والحل سيدي ؟



( 3 )


والحل يا سيدي ؟

أطرق جبريل مفكرا وحاجباه عقدى على نظرة ملؤها خبرة مخيفة جعلت ميمون يسكت في حياء ..
قليلا ً و أسند قامته فوق كرسي مكتبه السماوي وتنهد مرخيا جناحيه

حسنا ً ... أعطني الساعة البلورية يا ميمون ..قال جبريل وهو يومي بكفه .

أفاق ميمون من ذهوله وانتفض مهرولا إلى جانب المكتب العاجي ووضع الساعة في كف الملاك جبريل
نظر إليها جبريل ثم بهدوء أدار مفتاح الأمان ليعود الزمن إلى مجراه في أرض الجنة حيث الطيور رجعت ترفرف والحور تتمايل على أحضان الصالحين وطبعا ً رجع خليل للتلويح بإصبعه غاضبا ً ولكن دون ميمون ليتلقف الشتائم ..



كان ميمون متفاجئا ً من التصرف الغير متوقع من جبريل حيث لم يتحرر الكلام منه إلا بعد أن ألقى جبريل الساعة إليه

شهق وهو يتلقفها وقال : سيدي ولكن .. خليل .. والمشكلة ..والــ ..

قاطعه جبريل بهدوء ولكن بنوع من الحزم والغضب : كفى .... أنا أعرف كيف أتعامل مع خليل وألف مهووس جنسي مثله.. فلي خبرتي السابقة في تعاملي مع محمد ..

ميمون : وماذا أفعل أنا يا سيدي ..

جبريل : الصبر ... الصبر من شيم الحكماء يا ميمون .. راقب وتعلم ..

في تلك الأثناء كان دم خليل الصالح يغلي وصوته يصدح شتما ولعنا ً في طريقه للمكتب الإداري في الجنة ً فكانت الحوريات ترتعد والطيور تهرب وحتى الصالحين من أهل الجنة إرتخى ما كان لهم صلبا من شدة المفاجئة , فقد نسى أهل الجنة خلال هذا الزمن الطويل من النعيم ما معنى أن يكون الإنسان غاضبا ً أو حزينا ً وبان لبعضهم أنه مجنون واللبعض الآخر أنه منتشي والباقي بقي مذهولا ً خائفا ً من هذا المجهول الذي يراه للمرة الأولى منذ أكثر من سبعين ألف سنة فلا يعرف ما هو ...

وصل خليل عبد الله إلى المكتب الإداري وبدأ يصرخ ويزبد ويرعد ويشتم ويكفر وينادي على ميمون .. وكانت الملائكة من الكتبة والمحاسبين وحتى صغار الجن من عمال النظافة يهربون من وجهه الأحمر الممتلئ بالعروق ...

بدأ صوت خليل يعلو منذرا ً باقترابه من مكتب جبريل حيث ميمون يرتجف وترتجف تحته قدماه .. وذهبت أفكار ميمون بعيدا ً : ماذا يمكن أن يفعل بي هذا المتوحش .. لقد رأيته أكثر من مرة وهو يناكح وأعرف تماما ً مقدار الأنسانية والحنان الذي لديه .. هل يعقل أن يقدمني جبريل له كهدية لإرضائه ... هل تهون العشرة وخدمتي له ولأهل الجنة كل هذا الزمن الطويل ...

نظر مستجديا إلى جبريل الجالس بهيبة هادئة خلف مكتبه : سيدي ... خليل هنا ... مـ مـاذا سأفعل ...

رد عليه جبريل بغضب : إهدأ .. فليجرؤ ذالك الحيوان على دخول هذا المكتب وسأجر عليه وعلى جميع أهل الجنة الموت والدمار ...

كان الضجيج يزداد ومعه يزداد خوف وهلع ميمون ويزداد المكتب ظلاما ً وتتشكل غيمة كئيبة مظلمة فوق رأس جبريل الغاضب وتظلل على لحيته البيضاء الطويلة ..



لحظة من الصمت ...




بوووم ... !!

ويهتز باب المكتب بقوة مصدرا صوتا ً عظيما . . فيقع ميمون أرضا ً من الخوف ..
يبدو أن خليل يرفس الباب من الجهة الأخرى ..!

و مرة ثانية ..

و ثالثة .. لينفتح الباب على مصرعيه على خليل الواقف عاريا كما ولدته أمه و غاضبا كالثور ..

تنقشع الغمامة فوق رأس جبريل عن نور إلاهي خلاب وتتبدل ملامحه الغاضبة المكرهبة إلى ملامح مبتسمة ومتسامحة ..

( ... أهلا ً وسهلا ً بعزيزي وحبيبي الصالح خليل عبد الله ... حللت أهلا ووطئت سهلا ًً ... )




( 4 )


حللت أهلا ووطئت سهلا ...!!


متفاجئا ً ومذهولا ً من هول وجلال مظهر جبريل بهالته السماوية وأجنحته الملائكية العظيمة وقف خليل لا يحرك ساكنا ً بينما حلق سرب من الحمام الأبيض الملائكي من خلف الملاك الجليل وعلى خلفية المشهد بدأت موسيقى تصويرية من ثلاثة صفوف من المرتلين ظهرو فجأة على اليمين والشمال ..

جبريل : أهلا ً أهلا ً .. حبيبي خليل .. أخيرا ً أتيت .. لقد كنا بانظارك ..

لم يكن خليل وحده من صعق بهذا الأستقبال السماوي الغير متوقع فقد ظل ميمون على الأرض فاغرا ً فمه وهو يشهد هذه الجوقة من المهرجانات والأضواء من حوله بينما بدأ خليل بتذكر من يكون وأين هو ..

خليل : مـ .. مـن أنت .. جبريل ؟! ... أين أنا ؟... أنا أعتذر !.. لقد كنت ..

ويلمح خليل ميمون الجالس على الأرض فاغرا ً فمه فيتذكر سبب قدومه : هو سيدي .. هو .. جعلني أتبعه إلى هنا .. مؤشرا ً بإصبعه على ميمون الذي وإلى هذه اللحظة ظل قابعا ً على الأرض فاغرا ً فمه .

ينظر جبريل إلى ميمون نظرة تعجب واستغراب وهو يمسد لحيته البيضاء .. : حقا ً ؟ .. هممم ..!!

تترائى لميمون نهايته الشنيعة على يدي ورجلي خليل .. ( وربما أشياء أخرى منه ) فخر ساجدا لجبريل وبدأ بالبكاء... لقد تخلى عنه جبريل وتبرأ منه تماما ً ..

جبريل : لعمري إن ذالك من تدبير حكيم ٍ منتصر لقد صدقت النبوئة ..

خليل : نعم أنه هو .. لقد .. ماذا ..؟؟

جبريل : لقد أخبرني ملك الملوك إلاه الكون أنه سيرسل بقدره أحب الناس إلى قلبه وخليفته
المنتظر قريبا ً ولكن ...

نظر إلى الأرض مفكرا ً وهو يمسد لحيته .. : ولكنه قال أنه سيأتي بعد ثلاث إشارات واضحة ؟؟

قفز غلام ٌ صغير من غلمان الجنة من زاوية المكتب وقال : لقد رفس الباب ثلاث رفسات ..
واختفى الغلام ..!

" نـعـم " .. قال جبريل مبتسما ً بصوت اهتزت له الجدران وطارت له أسراب الحمام من وبدأ الكورال العظيم يمجد بأحلى الأنغام المفرحة حيث لبث ميمون وخليل كلاهما لايفقهى شيئ ً مما يحدث ..

خليل : لكن.. لكني أرتطمت بالباب في المرة الأولى .. لم أرفسه ..و ..

جبريل بلهجة فرحة : عزيزي هذه تفاصيل صغيرة يمكن إفتاؤها .. المهم أنك هنا وقد حققت النبوئة ..

خليل : نبوئة ؟ .. أي نبوئة ؟ .. ألم تنتهي النبوئات على الأرض ؟!..

جبريل : عزيزي لأهل الأرض نبوئات الأرض ولأهل السماء نبوئات خاصة أعظم وأجل ... تعال تعال إلى مجلسي نتحدث ونحتسي الخممرم .. ولا تجزع فلم يخطو إلى مجلسي إنسي ٌ من قبل وقلة من الملائكة تعرف بوجوده ..

انشق الجدار عن بهو خرافي من الرخام الشفاف الملون مرفوع بأعمدة من أغصان الجنة المورقة وفرش السقف بعريشة عنب من كل لون وصنف وخرجت من الأرض كالفقاعة أريكتان مخمليتان سماوية اللون عليها خطوط زبرجدية مضيئة تتوسطها طاولة بلورية صغيرة والطيور والفراشات تحلق في أرجائه مغنية

كان خليل مشدوها من ما يحدث لا لأنه لا يحدث في الجنة لكن لأن أهل الجنة ذوو عقول محدودة لا تجيد الأبتكار في الطلبات ..

جلس الأثنان .. صفق جبريل وهو يجلس نافضا ً جناحيه : ميمون ..هات قدحين من الخممرم الممتاز ..

بدأ ميمون باستعادة وعيه : مـ ماذا ..؟

جبريل : الخممرم يا غبي ... وغمزه موميا ً لزجاجات الخمر السماوي المعتاد

يقفز ميمون وبلمح البصر يصير بين الأريكتين بطبق من فضة عليه كأسين من الخمر يضعهما على الطاولة وينسحب بهدوء باتجاه الباب


وبينما كانت عينا خليل الغاضبة والمتوعدة تتابع انسحاب ميمون قام جبريل بتلقف أحد الطيور التي تجوب الغرفة بطرف جناحه إلى يده ..ثم إلى يده الأخرى ويعصره بحركة سريعة فتنتفخ عيناه وتسقط من دبره قطرتين في كأس خليل ..

دعك منه ياخليل .. قال جبريل ملقيا الطير المسكين وراء المقعد : إنه مجرد أداة للقدر وضعه الله ليرسم قدومك .. إنه المكتوب فلا تؤاخذ عبدا ً مسكينا مسيرا ً ..

شعر خليل بالخجل والحيرة فقال بتواضع : لم أفهم ما عنيت عندما قلت نبوئة .. وما دخلي أنا الأنسان

تبسم جبريل وقال : لا بأس .. لابأس أشرب وسأشرح لك .. في صحتك.. ورفع الأثنين الكؤوس وشربا
وجرت رعشة مقززة تحت جلد خليل وعلى طول سلسلة ظهره ولم يستطع شرب المزيد

ما هذا المذاق .. قال خليل : هذا الخمر غريب ..

قهقه جبريل بصوت عالي وقال : هذا ليس بخمر ..إنه الخممرم ..الخممرم !!

خليل : وما هو .. ؟

ضحك جبريل مجددا : إنه شراب نخبة الملائكة وأنصاف الآلهة وهو الشراب المفضل عند الله ملك الملكوت

نظر خليل بذهول وقد احولت عيناه على القدح بين يديه يحاول استيعاب ما قال جبريل

جبريل : آه ..لكن نسيت أنك ما زلت آدميا ً ولا تستطيع تذوقه .. فحواسك الأرضية لا تقدر على استشعاره والأحساس بعظمة هذه اللذة .. آه يا خليل ما ألذه وأطيبه ..ليتك تستطيع استشعاره ..

وأخذ جبريل رشفة صغيرة من كأسه وبدأ يتأوه ميتلمض ويذوب ويتلوى ويتراقص في مكانه من هول المتعة

نظر إليه خليل مشدوها ً بعينين مفتوحتان وبدأ بالنظر إلى الكأس من جديد

جبريل يعدل من جلسته ويضع الكاس جانبا ً : لا تحزن فقريبا ستصبح من خزنة السماء وأنصاف الآلهة وستفتح أمامك بوابات وبوابات من اللذات المحرمة على صغار الملائكة والصالحين ...

خليل : المحرمة ... حقا ً ... لكن لماذا ..؟؟

جبريل : لأن الله اختارك وقدر لك المجيء لهذا المكان وهذه اللحظة بالذات ..

خليل متبسما وريقه يغادر شفتيه إلى عنقه : لذات كثيرة ..

جبريل يهز برأسه موافقا ً : أكثر مما يمكن أن تتخيل ..

خليل : وماذا ننكح هناك ..؟

جبريل ساخرا ً : أما زلت تفكر بعقلية أهل الأرض وذاك النكاح التافه الحقير .. إن هذه اللذات أعظم وأجمل ما يمكن أن يتمتع به مخلوق .. أكبر وأكثر مما يمكن حتى تخيله .. كيف لا والخالق يستمتع ويتلذذ بها شخصيا ً .. وإني لأقسم بأعظمها .. أقسم بالـ .. بالـ ..

وترتفع عينا جبريل إلى السقف وكأن روحه غادرت جسده من النشوة .. ويهمس : .. الشبلبع ..

وعم صمت غريب له من القدسية ما جعل الفراشات والطيور تهوي على أرض البهو والأزهار والأعناب تذبل في خجل بينما بدأ لعاب خليل يغطي الأرضية ..

خليل يبلع قليلأ ً من ريقه : الشبلــ .. ؟

اكفهرت السماء وقصف الرعد واختبأت الملائكة تحت الأشجار ...

لا .. لا .. جبريل يصرخ بحزم : إياك و نطق اسمها .. أنها لأعظم من أن تذكر ..
ويستعيد رباطة جأشه بعد نشوته من ذكر اسمها فقط ويقوم واقفا ً ..

يزم خليل على شفتيه ويتنهد ويقول صاغرا ً : أريد من ما تقول ..أريد هذا النعيم .. إنه ما أبغي من وجودي وما أصبو إليه ويبدأ بالنحيب .. كالطفل عندما يريد شيئا ً.. يبكي ويشهق .. يقعي عاريا ًعلى الأريكة التي تحولت صخرا ً وضيعا ً ودموعه تغطي وجهه المجعد ..

صبرا ً صبرا ً يا خليل .. قال جبريل مربتا على كتف خليل : لقد اختارك الله واصطفاك لذالك ..

يبتعد خطوتين ويغير ملامحه من جديد .. هذه المرة إلى حيرة وأسف .. ويقول بصوت خفيض ويديه وراء ظهره ناظرا ً من النافذة : ولكن هناك ما هو ناقص .. ما هو ناقص ..



( 5 )

( ولكن هناك أمر ناقص .. )

انقض خليل على قدمي جبريل ومازالت دموعه تغطي وجهه : ماذا ناقص .. كيف .. أنا أريد منه لا تحرمني أرجوك ...

جبريل : الموضوع كما تعرف أن لاشيئ يأتي مجانا ً يا خليل .. لقد كسبت الجنة بما عملت في الأرض ولن تستطيع نيل هذا الشرف يوم التنصيب إلا بعد تقديمك شيئ ً لتثبت استحقاقك له ..

خليل : لكني كنت طوال عمري في الدنيا زاهدا ً متعبدا ً .. ألا يكفي هذا ؟

جبريل مستنكرا ً : أنت تتكلم عن الحياة الفانية على الأرض وكأنها تذكر الآن .. أنت الآن من أهل الجنة الصالحين فتلك هي مكافئتك الموعودة في الأرض ..

خليل : اذن أخبرني .. ماذا علي أن أفعل ..

جبريل : ان الله يجزي بقدر العطاء وبقدر ما تكسب من حسنات من أجل الفوز الأخير ... ذالك المبدأ الأرضي هو مبدأ عام في السماء أيضا ً

خليل : وكيف لي أن أعرف ماذا يريد الله مني لكي أفوز بهذه المتع التي لا توصف ..

جبريل مبتسما ً : ولماذا أنا هنا .. إن من الشرف لي أن أكون رسولا ً لمشيئة الله ؤلقنها لك علما ً لكي تهدي به أهل الجنة إلى الصلاح ..

تفاجأ خليل : وهل يحتاج الصالحون إلى صلاح ؟؟

جبريل متداركا ً: ليس الصلاح الدنيوي انه صلاح في المتع فهم يستهلكون متعهم خارج الأصول والقوانين لذا هم لا يستمتعون بها ..لذالك أيضا ً ما عدت تستحلي النكاح في الجنة وقد كان كل مبتغاك في حياتك

خليل مستفسرا وقد بانت عليه علامات الغباء : أصول .. وهل للمتعة أصول ؟

جبريل : طبعا ًطبعا ً يا خليل .. وإلا فكيف مللت منها بسرعة .. إنها فقط بضع عشرات الآلاف من السنين في الجنة وقد مللت كل شيئ ...

خليل : وما هي هذه الأصول ..وكيف سأعرفها ؟

جبريل : هذه الأصول والقوانين والتحريمات هي رسالتك لإخوتك الصالحين في الجنة حتى تكون لهم اللذات الأبدية .. هي التي سأنقلها بكل أمانة من الله العليم الخبير ..

خليل بعد برهة : لكنهم لن يصدقوني .. ليس بعضهم على الأقل ..

جبريل بلهجة متحمسة : أنت المصطفى من الله .. فكيف لا يطيعوك إنهم أغبياء يضرون أنفسهم بل يضرون السماء برمتها بفعلتهم الشنيعة وتكبرهم على مشيئة الله ...

خليل : ولكن كيف لي أن أجعلهم يتبعوني ؟

جبريل : إن أنت أرهبتهم من الحياة الابدية بدون الشعور باللذات ورغبتهم بالقليل من الملذات الإلاهية التي ستحصل عليها بعد التنصيب .. ينظر خليل إلى جبريل ويحاول إعلان رفضه ...
فيقاطعه جبريل بسرعة ويقول : بعضها فقط .. البعض القليل .. لكي نصل إلى التنصيب وقد أنجزت ما هو أجل من كل إنجاز .. ونفذت مشيئة الله وأصلحت حال أهل الجنة .. ومن لا يتعظ ويطيع أمر الله ..؟؟

يرد خليل : له الموت.. فهو كافر .. ويبدأ وجهه يزداد قبحا ً ..


جبريل مبتسما ً : أحسنت .. إذهب الآن فأهل الجنة في حيرة من أمرك وأمرهم .. فهم في حاجتك لترشدهم للطريق القويم ..

خليل ناظرا ً في الهواء : لأكون مرسلا ً لهدايتهم .. !!

جبريل : لتصل للتنصيب ..

خليل كالمنوم مغناطيسيا ً : التنصيب ..!!

جبريل : وتصبح من أنصاف الآلهة وسادة الملائكة ..

خليل مرددا وابتسامة قبيحة ترتسم على شفتيه : سيد الملائكة .!!

جبريل هامسا ً : وتحصل على اللذات المحرمة ..

خليل وقد سال لعابه من بين شفتيه الممطوطتين وكان مسلوب العقل تماما ً : اللذات المحرمة ..

جبريل : وطبعا سيكون لك وحدك ... ويهمس في أذنه : الشبلبع ...

فينطلق خليل كالبرق راكضا ً كالثور الهائج من المجلس إلى المكتب إلى الباب فيقتحمه كالقذيفة ليتحطم إلى أجزاء صغيرة وغبار تتطاير مع ميمون المسكين الذي كان يحاول استراق السمع من خارج المكتب ...

يسقط ميمون أرضا ً وقد امتلأ شعره الأشعث وملابسه المجعدة بالغبار والرمل وقطع من خشب الباب
ينهض ويتابع بعينين مشدوهتين فاغرا ً فمه خليل المنطلق باتجاه الفردوس صارخا مهللا ً مستبشرا ً ..

(.. ألم أقل لك أني سأجر الموت والدمار عليه وعلى جميع أهل الجنة .. )

رفع ميمون عينيه ليرى جبريل واقفا بقربه يرمق خليل و الشروق الغريب في الأفق فقد كانت الشمس تشرق للمرة الأوى من غرب الفردوس .. وارتسمت على وجه الملاك المعمر ابتسامة هادئة معجونة بالحكمة والدهاء ..
و ضع كفه على كتف ميمون المذهول وقال ..

( .. إذهب يا ميمون .. إذهب وابني لهم مسجدا ً .. )




النهاية ..





الغراب الحكيم .


ملاحظة : لم أتطرق إلى الله في القصة كشخصية .. ولكن ليس احتراما ً ولا إجلالا ً .. ولكن لأنه لم يكن .. ولا هو الآن .. ولن يكون موجودا ً أبدا ًً..

سجن ..

أحس بحاجة أن أعتزل ..
صخبَ المكان ولغط الكذب ..
وأن أنسحب ..
لساحة صدق ٍ بأفق البحار
وأترك جسما بعمق السراب
يقاد بنير ٍ قميء ٍ نجس ..
وأرحل عنه ..
له ما رغب ..

وأصرخ داخل رأسي الحكايا ..
عن العمر هدرا ً وبالزيف عيشا ً ..
فقم وانتحب ..
وثر داخل السجن حطم قيودك ..
آن لجبنك َ أن يغترب ..

تمطت شفاه ٌ ..
وعين ٌ ترائت لها في البعد ..
أسماء أنس ٍ ..
وأعراف وهم ٍ ..
وأحكام دين ٍ قبيح ٍ كرب ..

تــُمد ذراعي لآخذ حظي ..
من الأثم عمرا لكي أشترك ..
وذاك الصراخ يخط طريقا ً ..
لأخرج مني وأترك سجنا ً ..
برأس ٍ خرب ..

رفضت الوجود بهذا المكان ..
وهذا الزمان له أن يغب ..
فكرها ً يسود وحبا ً يسمى .
ظلما ً وقبحا ً و موتا ً يزد ..
فإما حياة المنافي بديلا ً ..
وإما صلاة ٌ ورب ٌ يهب ...

...
2008 - 9 - 16